فصل: قال ابن عطية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال الماوردي:

قوله عز وجل: {المر تلك آيات الكتاب}
وفي الكتاب ثلاثة أقاويل:
أحدها: الزبور، وهو قول مطر.
الثاني: التوراة والإنجيل، قاله مجاهد.
الثالث: القرآن، قال قتادة. فعلى هذا التأويل يكون معنى قوله: {تلك آيات الكتاب} أي هذه آيات الكتاب.
{والذي أنزل إليك من ربك الحق} يعني القرآن.
{ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} يعني بالقرآن أنه منزل بالحق. وفي المراد ب: {أكثر الناس} قولان:
أحدهما: أكثر اليهود والنصارى، لأن أكثرهم لم يسلم. الثاني: أكثر الناس في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قوله عز وجل: {الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها} فيه تأويلان:
أحدهما: يعني بِعُمد لا ترونها، قاله ابن عباس.
الثاني: أنها مرفوعة بغير عمد، قاله قتادة وإياس بن معاوية.
وفي رفع السماء وجهان:
أحدهما: رفع قدرها وإجلال خطرها، لأن السماء أشرف من الأرض.
الثاني: سمكها حتى علت على الأرض. اهـ.

.قال ابن عطية:

{المر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ}
تقدم القول في فواتح السور وذكر التأويلات في ذلك إلا أن الذي يخص هذا الموضع من ذلك هو ما قال ابن عباس رضي الله عنه: إن هذه الحروف هي من قوله: أنا الله أعلم وأرى. ومن قال: إن حروف أوائل السور هي مثال لحروف المعجم- قال: الإشارة هنا ب: {تلك} هي إلى حروف المعجم، ويصح- على هذا- أن يكون: {الكتاب} يراد به القرآن، ويصح أن يراد به التوراة والإنجيل. و: {المر}- على هذا- ابتداء، و: {تلك} ابتداء ثان- و: {آيات} خبر الثاني، والجملة خبر الأول- وعلى قول ابن عباس في: {المر} يكون: {تلك} ابتداء و: {آيات} بدل منه، ويصح في: {الكتاب} التأويلات اللذان تقدما.
وقوله: {والذي أنزل إليك من ربك الحق}: {الذي} رفع بالابتداء و: {الحق} خبره- هذا على تأويل من يرى: {المر} حروف المعجم، و: {تلك آيات} ابتداء وخبر. وعلى قول ابن عباس يكون: {الذي} عطفًا على: {تلك} و: {الحق} خبر: {تلك}. وإذا أريد ب: {الكتاب} القرآن فالمراد ب: {الذي أنزل} جميع الشريعة: ما تضمنه القرآن منها وما لم يتضمنه. ويصح في: {الذي} أن يكون في موضع خفض عطفًا على الكتاب، فإن أردت مع ذلك ب: {الكتاب} القرآن، كانت الواو عطف صفة على صفة لشيء واحد، كما تقول: جاءني الظريف والعاقل، وأنت شخصًا واحدًا، ومن ذلك قول الشاعر: المتقارب:
إلى الملك القرم وابن الهمام ** وليث الكتيبة في المزدحم

وإن أردت مع ذلك ب: {الكتاب} التوراة والإنجيل، فذلك بيّن، فإن تأولت مع ذلك: {المر} حروف المعجم- رفعت قوله: {الحق} على إضمار مبتدأ تقديره: هو الحق، وإن تأولتها كما قال ابن عباس ف: {الحق} خبر: {تلك} ومن رفع: {الحق} بإضمار ابتداء وقف على قوله: {من ربك} وباقي الآية ظاهر بين إن شاء الله.
وقوله تعالى: {الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها} الآية، لما تضمن قوله: {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} توبيخ الكفرة، عقب ذلك بذكر الله الذي ينبغي أن يوقن به، ويذكر الأدلة الداعية إلى الإيمان به.
والضمير في قوله: {ترونها} قالت فرقة: هو عائد على: {السماوات}. ف: {ترونها}- على هذا- في موضع الحال، وقال جمهور الناس: لا عمد للسماوات البتة، وقالت فرقة: الضمير عائد على العمد، ف: {ترونها}- على هذا- صفة للعمد، وقالت هذه الفرقة: للسماوات عمد غير مرئية- قاله مجاهد وقتادة- وقال ابن عباس: وما يدريك أنها بعمد لا ترى؟ وحكى بعضهم: أن العمد جبل قاف المحيط بالأرض، والسماء عليها كالقبة.
قال القاضي أبو محمد: وهذا كله ضعيف، والحق أن العمد جملة، إذ العمد يحتاج إلى العمد ويتسلسل الأمر، فلابد من وقوفه على القدرة، وهذا هو الظاهر من قوله تعالى: {ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه} [الحج: 65] ونحو هذا من الآيات، وقال إياس بن معاوية: السماء مقببة على الأرض مثل القبة.
وفي مصحف أبيّ: {ترونه} بتذكير الضمير، والعمد: اسم جمع عمود، والباب في جمعه: عمد- بضم الحروف الثلاثة كرسول ورسل، وشهاب وشهب وغيره، ومن هذه الكلمة قول النابغة: البسيط:
وخيس الجن إني قد أذنت لهم ** يبنون تدمر بالصفّاح والعمد

وقال الطبري: العَمد- بفتح العين- جمع عمود، كما جمع الأديم أدمًا.
قال القاضي أبو محمد: وليس كما قال، وفي كتاب سيبويه: إن الأدم اسم جمع، وكذلك نص اللغويون على العمد، ولكن أبا عبيدة ذكر الأمر غير متيقن فاتبعه الطبري.
وقرأ يحيى بن وثاب {بغير عُمُد} بضم العين والميم.
وقوله: {ثم} هي- هنا- لعطف الجمل لا للترتيب، لأن الاستواء على العرش قبل {رفع السماوات}، ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «كان الله ولم يكن شيء قبله. وكان عرشه على الماء ثم خلق السماوات والأرض».
وقد تقدم القول في كلام الناس في الاستواء، واختصاره: أن أبا المعالي رجح أنه: {استوى} بقهره وغلبته، وقال القاضي ابن الطيب وغيره: {استوى}- في هذا الموضع- بمعنى استولى، والاستيلاء قد يكون دون قهر. فهذا فرق ما بين القولين، وقال سفيان: فعل فعلًا سماه استواء.
وقال الفراء: {استوى}- في هذا الموضع- كما تقول العرب: فعل زيد كذا ثم استوى إلى يكلمني، بمعنى أقبل وقصد. وحكي لي عن أبي الفضل بن النحوي أنه قال: {العرش}- في هذا الموضع- مصدر عرش، مكانه أراد جميع المخلوقات، وذكر أبو منصور عن الخليل: أن العرش: الملك، وهذا يؤيد منزع أبي الفضل بن النحوي إذ قال: العرش مصدر، وهذا خلاف ما مشى عليه الناس من أن العرش هو أعظم المخلوقات وهو الشخص الذي كان على الماء والذي بين يديه الكرسي؛ وأيضًا فينبغي النظر على أبي الفضل في معنى الاستواء قريبًا مما هو على قول الجميع. وفي البخاري عن مجاهد أنه قال: المعنى: علا على العرش.
قال القاضي أبو محمد: وكذلك هي عبارة الطبري، والنظر الصحيح يدفع هذه العبارة.
وقوله: {وسخر} تنبيه على القدرة، و: {الشمس والقمر} في ضمن ذكرهما ذكر الكواكب- وكذلك قال: {كل يجري} أي كل ما هو في معنى الشمس والقمر من التسخير، و: {كل} لفظة تقتضي الإضافة ظاهرة أو مقدرة، والأجل المسمى هو انقضاء الدنيا وفساد هذه البنية، وقيل: يريد بقوله: {لأجل مسمى} الحدود التي لا تتحداها هذه المخلوقات أن تجري على رسوم معلومة.
وقوله: {يدبر} بمعنى: يبرم- وينفذ- وعبر بالتدبير تقريبًا لأفهام الناس، إذ التدبير إنما هو النظر في أدبار الأمور وعواقبها، وذلك من صفة البشر، و: {الأمر} عام في جميع الأمور وما ينقضي في كل أوان في السماوات والأرضين وقال مجاهد: {يدبر الأمر} معناه: يقضيه وحده.
وقرأ الجمهور: {يفصل} وقرأ الحسن بنون العظمة، ورواها الخفاف وعبد الوهاب عن أبي عمرو وهبيرة عن حفص، قال المهدوي: ولم يختلف في: {يدبر}، وقال أبو عمرو الداني: إن الحسن قرأ {نفصل} و{ندبر} بالنون فيهما، والنظر يقتضي أن قوله: {يفصل} ليس على حد قوله: {يدبر} من تعديد الآيات بل لما تعددت الآيات وفي جملتها يدبر الأمر، أخبر أنه يفصلها لعل الكفرة يوقنون بالبعث، و: {الآيات} هنا إشارة إلى ما ذكر في الآية وبعدها. اهـ.

.قال ابن الجوزي:

قوله تعالى: {المر}
قد ذكرنا في سورة البقرة جملةً من الكلام في معاني هذه الحروف.
وقد روي عن ابن عباس في تفسير هذه الكلمة ثلاثة أقوال:
أحدها: أن معناها: أنا الله أعلم وأرى، رواه أبو الضحى عنه.
والثاني: أنا الله أرى، رواه سعيد بن جبير عنه.
والثالث: أنا الله الملِك الرحمن، رواه عطاء عنه.
قوله تعالى: {تلك آيات الكتاب} في {تلك} قولان، وفي {الكتاب} قولان قد تقدمت في أول يونس.
قوله تعالى: {والذي أُنزل إِليك من ربك الحق} يعني: القرآن وغيره من الوحي: {ولكنَّ أكثر الناس لا يؤمنون} قال ابن عباس: يعني: أهل مكة.
قال الزجاج: لما ذكر أنهم لا يؤمنون، عرَّف الدليل الذي يوجب التصديق بالخالق فقال: {الله الذي رفع السموات بغير عمد} قال أبو عبيدة: العَمَد: متحرك الحروف بالفتحة، وبعضهم يحركها بالضمة، لأنها جمع عمود، وهو القياس، لأن كل كلمة هجاؤها أربعة أحرف الثالث منها ألِف أو ياء أو واو، فجميعه مضموم الحروف، نحو رسول، والجمع: رسل، وحمار، والجمع: حُمُر، غير أنه قد جاءت أسامي استعملوا جميعها بالحركة والفتحة، نحو عمود، وأديم، وإِهاب، قالوا: أَدَم، وأَهَب.
ومعنى {عمدٍ} سَوارٍ، ودعائم، وما يَعْمِد البناء.
وقرأ أبو حيوة: {بغير عُمُد} بضم العين والميم.
وفي قوله: {ترونها} قولان:
أحدهما: أن هاء الكناية ترجع إِلى السموات، فالمعنى: ترونها بغير عَمَد، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وقتادة، والجمهور.
وقال ابن الأنباري: {ترونها} خبر مستأنف، والمعنى: رفع السموات بلا دعامة تمسكها، ثم قال: {ترونها} أي: ما تشاهدون من هذا الأمر العظيم، يغنيكم عن إِقامة الدلائل عليه.
والثاني: أنها ترجع إِلى العَمَد، فالمعنى: إِنها بعمد لا ترونها، رواه عطاء، والضحاك عن ابن عباس، وقال: لها عَمَد على قاف، ولكنكم لا ترون العَمَد، وإِلى هذا القول ذهب مجاهد، وعكرمة، والأول أصح.
قوله تعالى: {وسخر الشمس والقمر} اي: ذلَّلهما لما يُراد منهما: {كل يجري لأجل مسمى} أي: إِلى وقت معلوم، وهو فناء الدنيا.
{يدبِّر الأمر} أي: يصرِّفه بحكمته.
{يفصِّل الآيات} أي: يبيِّن الآيات التي تدل أنه قادر على البعث لكي توقنوا بذلك.
وقرأ أبو رزين، وقتادة، والنخعي.
{ندبِّر الأمر نفصِّل الآيات} بالنون فيهما. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {المر تِلْكَ آيَاتُ الكتاب}
تقدّم القول فيها.
{والذي أُنزِلَ إِلَيْكَ} يعني وهذا القرآن الذي أنزل إليك.
{مِن رَّبِّكَ الحق} لا كما يقول المشركون: إنك تأتي به من تلقاء نفسك؛ فاعتصم به، واعمل بما فيه.
قال مقاتل: نزلت حين قال المشركون: إن محمدًا أتى بالقرآن من تلقاء نفسه.
{وَالَّذِي} في موضع رفع عطفًا على {آيَاتُ} أو على الابتداء، و{الْحَقُّ} خبره؛ ويجوز أن يكون موضعه جرًا على تقدير: وآيات الذي أنزل إليك، وارتفاع {الحقّ} على هذا على إضمار مبتدأ، تقديره: ذلك الحق؛ كقوله تعالى: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ الحق} [البقرة: 75 146] يعني ذلك الحقّ.
قال الفرّاء: وإن شئت جعلت {الَّذِي} خفضًا نعتًا للكتاب، وإن كانت فيه الواو كما يقال: أتانا هذا الكتاب عن أبي حفص والفاروق؛ ومنه قول الشاعر:
إلى الملِكِ القَرْمِ وابن الهُمَامِ ** ولَيْثِ الْكَتِيبَةِ فِي المُزْدَحم

يريد: إلى الملك القرم بن الهمام، ليثِ الكَتيبة.
{ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ}.
قوله تعالى: {الله الذي رَفَعَ السماوات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} الآية.
لمّا بيّن تعالى أن القرآن حقّ، بين أن مَن أنزله قادر على الكمال؛ فانظروا في مصنوعاته لتعرفوا كمال قدرته؛ وقد تقدّم هذا المعنى.
وفي قوله: {بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} قولان: أحدهما: أنها مرفوعة بغير عمد ترونها؛ قاله قَتَادة وإيّاس بن معاوية وغيرهما.
الثاني: لها عمد، ولكنا لانراه؛ قال ابن عباس: لها عمد على جبل قاف؛ ويمكن أن يقال على هذا القول: العمد قدرته التي يُمسِك بها السموات والأرض، وهي غير مرئية لنا؛ ذكره الزّجاج.
وقال ابن عباس أيضًا: هي توحيد المؤمن.
أعمدت السماء حين كادت تنفطر من كفر الكافر؛ ذكره الغَزْنَوِيّ.
والعَمَد جمع عمود؛ قال النابغة:
وخَيِّسِ الجِنِّ إِني قد أَذِنْتُ لَهُمْ ** يَبْنُونَ تَدْمُرَ بالصُّفَّاحِ والعَمَدِ

{ثُمَّ استوى عَلَى العرش} تقدّم الكلام فيه.
{وَسَخَّرَ الشمس والقمر} أي ذَلَّلَهما لمنافع خلقه ومصالح عباده؛ وكل مخلوق مُذلّل للخالق.
{كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى} أي إلى وقت معلوم؛ وهو فناء الدنيا، وقيام الساعة التي عندها تُكوّر الشمس، ويُخسَف القمر، وتنكدر النّجوم، وتنتثر الكواكب.
وقال ابن عباس: أراد بالأجل المسمّى درجاتهما ومنازلهما التي ينتهيان إليها لا يجاوزانها.
وقيل: معنى الأجل المسمّى أن القمر يقطع فَلَكه في شهر، والشمس في سنة.
{يُدَبِّرُ الأمر} أي يصرفه على ما يريد.
{يُفَصِّلُ الآيات} أي يُبيّنها؛ أي من قدر على هذه الأشياء يقدر على الإعادة؛ ولهذا قال: {لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ}. اهـ.